نبض البلد - بيع كثير وربح قليل محال الأحياء الصغيرة تواجه أزمة بسبب هيمنة المولات
عمر الخطيب
"ربح قليل وبيع كثير" عبارة تختصر واقعا معقدا يعيشه قطاع التجزئة لكنها لم تعد تنطبق على أصحاب المحال التجارية الصغيرة بقدر ما أصبحت عنوانا لـ مرحلة تميل كفتها لـ صالح "المولات ومراكز التسوق الكبرى" ففي وقت تتراجع فيه المبيعات داخل محال الأحياء الشعبية تتجه أنظار المستهلكين نحو "المولات" التي أغرقت السوق بالعروض والخصومات على أقسام محددة لـ جذب المتسوقين فيما تبقى أقسام أخرى بأسعار أعلى في معادلة تسويقية تضمن تدفق الزبائن وتعويض الفارق، وبين هذا وذاك يجد التاجر الصغير نفسه خارج المنافسة بعدما فقد ميزته القائمة على القرب والثقة لصالح معادلة جديدة تحكمها القدرة على التمويل وحجم المشتريات وقوة العروض .
وفي الشوارع التجارية تتجلى صورة أخرى من التحدي حيث يلجأ بعض التجار إلى تخفيض الأسعار بشكل حاد ولافت ليس بدافع المنافسة الصحية وإنما في محاولة لاستقطاب الزبائن وإضعاف المحال المجاورة، لـ يتحول السوق إلى ساحة صراع مفتوح يدفع ثمنه في النهاية صغار التجار الأقل قدرة على التحمل، وبين مولات تقدم عروضا مدروسة ومحال تكافح للبقاء وتجار يخفضون أسعارهم إلى حدود غير مسبوقة تتغير ملامح السوق بصمت فهل أصبح التاجر الصغير الحلقة الأضعف في معادلة التجزئة أم أن السوق يتجه نحو احتكار غير معلن تقوده المولات ومراكز التسوق الكبرى؟
وفي جولة ميدانية أوضح عدد من أصحاب المحال التجارية الصغيرة في الأحياء الشعبية أن أوضاعهم باتت صعبة، بسبب تراجع ملحوظ في الحركة الشرائية مقارنة بالسنوات السابقة، مشيرين إلى أن حجم المبيعات انخفض بشكل واضح، ولم يعد كما كان في السابق، مبينين أن المحال التي كانت تعتمد على زبائن الحي بشكل يومي أصبحت تشهد فترات طويلة من الركود وسط منافسة غير متكافئة مع المولات ومراكز التسوق الكبرى التي كثفت من عروضها الترويجية وقدمت خصومات واسعة جذبت المستهلكين إليها.
وبينوا أن المستهلكين باتوا يتجهون إلى المولات لـ تأمين احتياجاتهم الأساسية والاستفادة من العروض والأسعار التفضيلية، حيث يقومون بتموين معظم مستلزماتهم من هناك، فيما اقتصر دور المحال الصغيرة على تلبية الاحتياجات الطارئة والبسيطة فقط مثل شراء "علبة لبن أو بعض الخضار أو الاحتياجات الازمة" ، وأضافوا بلهجة يغلب عليها القلق أن محالهم التي كانت يوما ما الخيار الأول لسكان الحي أصبحت اليوم الخيار الأخير ما فاقم من معاناتهم، ووضع مستقبل هذه المهن الصغيرة أمام تحديات حقيقية تهدد استمراريتها.
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي منير ديه أن مراكز التسوق الكبرى بحكم قدرتها على شراء كميات ضخمة من الأصناف وتوفير تشكيلة واسعة ومتنوعة من المنتجات، تتمتع بميزة الحصول على خصومات كبيرة من الشركات الموردة إلى جانب تحقيق نسب مبيعات مرتفعة، الأمر الذي يمنحها قدرة تنافسية عالية، في المقابل لم يعد بمقدور المحال الصغيرة منافسة هذه المراكز من حيث الحصول على الأسعار التفضيلية أو الخصومات التي تحظى بها المولات ما أدى إلى واقع جديد أصبحت فيه المولات تستحوذ تدريجيا على قطاع التجزئة في الأردن فيما لا تزال بعض المحال الصغيرة صامدة نسبيا في عدد من المحافظات مع احتفاظها بـ حصة محدودة من السوق .
وأشار ديه إلى أن هذا التحول يبدو أكثر وضوحا في العاصمة عمان والمحافظات الرئيسية مثل الزرقاء، حيث استحوذت المولات ومراكز التسوق الكبرى على الحصة الأكبر من السوق، مستفيدة من قدرتها على طرح أصناف متعددة بأسعار تفضيلية وتوفير تنوع واسع من المنتجات المحلية والعالمية، مضيفا أنها تعتمد هذه المراكز على استراتيجيات تسويقية متنوعة تشمل العروض الترويجية، والخصومات، والجوائز، وكوبونات التسوق، وغيرها من الأدوات التي تمكنها من جذب المستهلكين مدعومة بإمكانات تمويلية وتسويقية مرتفعة.
وبين أن أصحاب المحال الصغيرة في العاصمة والمحافظات الرئيسية باتوا غير قادرين على مجاراة هذه المنافسة، في ظل تغير ثقافة الاستهلاك لدى المواطنين حيث لم تعد عملية الشراء كما كانت في السابق وإنما أصبح المستهلك يميل بشكل أكبر إلى التسوق من المولات ومراكز التسوق الكبرى، مشيرا الى أن ذلك يعود إلى ما توفره هذه المراكز من خصومات وعروض متنوعة وتعدد في الأصناف والسلع، وتباين في الأسعار، إلى جانب سهولة عملية التسوق في مكان واحد ما منح المولات أفضلية واضحة وأسهم في تعزيز قدرتها على الاستحواذ على حصة أكبر من السوق.