الصلاحية قراءة سياسية في زمن التحولات الحاسمة.

نبض البلد -

١٩٧٩/٢/١ - ٢٠٢٦/٢/١

المهندس زيد نفاع
الامين العام لحزب عزم.
 
تعمل العديد من المؤسسات والهيئات في دول العالم بصفتها مؤسسات وطنية سيادية، مثل: مؤسسة المواصفات والمقاييس، والمؤسسة العامة للغذاء والدواء.
وبحكم طبيعة عملها، ترتبط هذه المؤسسات بعلاقات تنسيقية وفنية مع منظمات دولية مختصة، كمنظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وذلك بهدف ضمان سلامة الأغذية والمستحضرات الدوائية، وتحقيق أعلى معايير الجودة والصحة والسلامة والأمان.

غير أن جوهر هذه العلاقة يظل واضحًا وثابتًا:
فالمؤسسات الوطنية تبقى وطنية في صلاحياتها وقراراتها، حتى وإن استندت إلى توصيات أو معايير دولية. وهو ما يميزها بوضوح عن المنظمات الدولية ذات الصفة العابرة للحدود، مثل: اليونسكو، واليونيسف، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة السياحة العالمية، والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، التي تستمد شرعيتها من توافق دولي شامل، لا من سيادة دولة بعينها.

وبالعودة إلى جوهر الموضوع، فإن الحديث عن الصلاحيات—سواء كانت وطنية أو دولية—ليس تفصيلًا إداريًا هامشيًا، بل مدخلًا أساسيًا لفهم التحولات الكبرى في السياسة الدولية.

فعلى سبيل المثال، تُعد مؤسسة المواصفات والمقاييس الجهة الوطنية المخولة قانونيًا بمنح الموافقات على استخدام المعدات والآليات المختلفة، كما تُعد المؤسسة العامة للغذاء والدواء الجهة الرسمية المخولة بمنح الموافقات على الأغذية، والأدوية، والمستحضرات، وتحديد مدد صلاحيتها، وسحبها من الأسواق عند انتهاء تلك الصلاحية حال استمر تسويقها أو بيعها، حيث يتم إتلافها فورًا، أو التحفظ عليها لفترة محددة تمهيدًا لإتلافها وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

أما المنظمات الدولية، فإن قراراتها لا تُبنى على اعتبارات وطنية محدودة أو محلية ضيقة، بل على توازنات دولية، ومصالح كبرى، وقراءات استراتيجية بعيدة المدى.

قبل أيام، وخلال نقاش موسع ضم نخبة من السياسيين المتخصصين في ملف السياسة الأمنية في الشرق الأوسط، طُرح عليّ سؤال مباشر حول المتغيرات الراهنة ومستقبل المنطقة.

طلبت من السائل تحديد السؤال بدقة أكبر، لأن الإجابة العامة كانت ستقودنا إلى محاضرة كاملة، وربما إلى نقاش معمق ومطول، يبدأ الحديث عن العراق، مرورًا بسوريا، وملف حزب الله، وصولًا إلى أكثر الملفات تعقيدًا وخطورة، والمتعلقة بدولة الاحتلال، ومستقبل الضفة الغربية، وملف غزة، ومجلس السلام الجديد.

فقال مباشرة، وبحرفية واضحة:
«الملف الموجود على النار… إيران.»

توقفت للحظة، وتنفسّت بعمق.
فملف إيران هو، بلا شك، الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا وتشابكا في استقرار المنطقة—سياسيًا، واقتصاديًا، وجغرافيًا، وعسكريًا—ليس منذ قيام نظام ولاية الفقيه فحسب، بل منذ تشكّل الدولة الإيرانية الحديثة، وربما قبل ذلك بكثير.

لكن ضيق الوقت فرض إجابة مكثفة ومباشرة، فاخترت تشبيهًا عمليًا وذكيًا:
شبّهت النظام السياسي بـ صلاحية المستحضرات.

فكما أن:
•المؤسسات الوطنية تحدد صلاحية المنتج ضمن نطاقها السيادي،
•والمنظمات الدولية تضع معايير أوسع تتجاوز حدود الدولة،

فإننا اليوم نشهد مرحلة جديدة تقلصت فيها الصلاحيات التقليدية، لتتركز فعليًا بيد قوى ونفوذ أسرع وأقوى، قادرة على إنهاء "صلاحية” أي نظام سياسي، متى رأت أنه لم يعد صالحًا للاستخدام، أو أصبح عبئًا على الاستقرار الدولي، او تتضارب فية المصالح ،كما حدث مطلع العام الحالي.

وهنا كانت الإجابة واضحة ومباشرة على السؤال المطروح:

نعم، القرار قد حُسم.
وانتهت الصلاحية.

نحن الآن في مرحلة حصر دقيق لمواقع "البضائع”،وسحب "المستحضرات” منالأسواق،وربما تكون المفارقة في أن عمليةالإتلاف قد تتم في أماكنها، لاخارجها، ذلك أن البنية التحتية
لـ "المستحضرات الجديدة” أكثر تعقيدًا بكثير من تلك التي شهدها العالم مطلع العام الحالي.

إنها ليست لغة مجاز فحسب.
بل توصيف دقيق لمرحلة سياسية دولية،تُدار فيها الملفات الكبرى بعقلية الصلاحية والانتهاء،
لا بعقلية الشعارات أو الخطابات.

والسؤال الحقيقي لم يعد:
هل انتهت الصلاحية؟
بل أصبح:
من سيكون البديل؟
وبأي المواصفات والمقاييس؟
وبالطبع، دون أدنى تجاهل لأخذ رأي مسبقًا لـ "مؤسسة الغذاء والدواء” ، حول مدة صلاحية المستحضر الجديد.