نبض البلد - تعديلات قانون الإدارة المحلية بين ضبط الإيقاع والعودة إلى مركزية القرار
بقلم : عماد عبدالقادر عمرو
تسريبات القانون الجديد تثير تساؤلات حول صلاحيات رؤساء البلديات والمجالس المحلية، ومدى انعكاسها على الخدمات والمشاركة الشعبية.
منذ يوم أمس، بدأ تداول تسريبات غير رسمية حول ملامح قانون الإدارة المحلية الجديد والتعديلات المرتقبة عليه، ما أعاد طرح أسئلة قديمة متجددة حول دور البلديات ومجالس المحافظات، وحدود الصلاحيات بين التمثيل المنتخب والإدارة التنفيذية، وتأثير ذلك على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
تتصاعد النقاشات حول هذه التعديلات، ويجد الرأي العام نفسه أمام تساؤلات تتجاوز النصوص القانونية إلى جوهر العلاقة بين المواطن والخدمة العامة. فبعيدًا عن التعقيدات التشريعية، يطرح المواطن سؤالًا مباشرًا: هل ستتحسن الخدمات فعلًا؟ وهل سينعكس القانون على نوعية الحياة اليومية، أم أنه مجرد تعديل إداري لا يلامس الواقع؟
وفق ما يتم تداوله، سيُنتخب رئيس البلدية عبر صندوق مستقل عن المجلس البلدي، لكنه سيكون بلا صلاحيات إدارية أو مالية، حيث تُنقل إدارة البلدية بالكامل إلى مدير معيّن يتولى شؤون الموارد البشرية والإنفاق المالي والتعيين والفصل وإدارة العمل اليومي. أما دور رئيس المجلس البلدي وأعضائه، فينحصر في وضع الخطط والاستراتيجيات العامة دون تدخل في التنفيذ. وفي السياق ذاته، تشير التسريبات إلى إلغاء انتخابات مجالس المحافظات، مع الإبقاء عليها قائمة، على أن يتم اختيار أعضائها بالتعيين من هيئات منتخبة أو مهنية، مثل رؤساء البلديات وغرف التجارة والصناعة والنقابات.
إن صحت هذه التوجهات، فهي تمثل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الإدارة المحلية، لا يمكن التعامل معها باعتبارها تعديلات عابرة. فالقضية لم تعد مرتبطة بعدد المجالس أو مسمياتها، بقدر ارتباطها بالنتائج المحققة على أرض الواقع. فقد أثبتت التجربة أن تعدد الهياكل لا يعني بالضرورة تحسن الأداء، وأن الانتخابات وحدها لم تكن كافية لمنع تراكم الديون أو وقف القرارات الارتجالية التي أضعفت بعض البلديات وأثقلت كاهلها.
من الناحية الإدارية، قد يحمل توسيع صلاحيات مدير البلدية بعض الإيجابيات، أبرزها فصل القرار التنفيذي عن الضغوط الانتخابية والاجتماعية، وتعزيز المهنية في إدارة المال العام والموارد البشرية، والحد من التوظيف العشوائي والفصل غير المدروس. وفي ظل واقع مالي صعب وإرث ثقيل من القرارات غير المحسوبة، قد يُنظر إلى تقييد صلاحيات رئيس البلدية في هذه المرحلة باعتباره إجراءً تصحيحيًا مؤقتًا يهدف إلى إعادة الانضباط ومنح البلديات فرصة للتعافي.
لكن هذه المقاربة، إذا طُبقت بالشكل المتداول، تفتح بابًا لتساؤل جوهري حول شكل الحوكمة المحلية المقبلة. فبهذه الصورة، قد تعود إدارة البلديات ومجالس المحافظات إلى قدر من المركزية، حيث تتركز مفاصل القرار التنفيذي والمالي بيد وزارة الإدارة المحلية عبر المديرين المعيّنين، حتى وإن بقيت الهياكل المحلية قائمة من الناحية الشكلية. وهذا التحول، إذا لم يُضبط بتوازنات واضحة، قد يُضعف استقلالية الإدارة المحلية ويعيد إنتاج نموذج إداري محدود القدرة على الاستجابة الدقيقة لاحتياجات المجتمع.
كما يثير هذا المسار تساؤلات مشروعة حول المشاركة الشعبية والمساءلة. فرئيس بلدية منتخب بلا صلاحيات تنفيذية فعلية قد يتحول إلى دور رمزي، ويجد المواطن نفسه أمام عملية انتخابية لا تنعكس مباشرة على إدارة شؤونه اليومية. كذلك، حصر دور المجالس في التخطيط دون امتلاك أدوات تنفيذ أو مساءلة حقيقية قد يفرغها من مضمونها، ويضعف قدرتها على تمثيل مصالح مجتمعها. أما إلغاء انتخابات مجالس المحافظات والاعتماد على التعيين، ولو بصيغ غير مباشرة، فيثير مخاوف تتعلق بتراجع المشاركة الشعبية وتقلص الرقابة المجتمعية على المشاريع التنموية.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى التجربة السابقة بمنظار التعميم. فكما وُجد تقصير أو فساد في بعض المواقع، كانت هناك بلديات ومجالس محافظات قدمت نماذج ناجحة وأنجزت الكثير لمجتمعها بكفاءة وشفافية ودون شبهات. هذا التفاوت لا يعكس خللًا في فكرة الإدارة المحلية بحد ذاتها، بقدر ما يعكس اختلاف الأشخاص الذين تولوا المسؤولية وطبيعة الخيارات التي أوصلتهم إلى مواقع القرار.
من هنا، فإن جوهر النقاش لا يجب أن ينحصر في النصوص القانونية أو شكل الهياكل فقط، بل يتصل مباشرة بوعي المواطن في اختيار من يمثله. فنحن بحاجة إلى ثقافة انتخابية أعمق، قائمة على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، لا على الاعتبارات الضيقة أو الآنية. فضعف الاختيار لا ينبغي أن يكون مبررًا للتراجع عن مكتسبات ديمقراطية، ولا ذريعة لتقليص المشاركة الشعبية بدل تعزيزها.
وانطلاقًا من ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى التروي في إقرار أي تعديلات تشريعية، ومنح الوقت الكافي لصياغة قانون متوازن، لا يفقد البلديات ولا مجالس المحافظات دورها الحقيقي، وفي الوقت ذاته يعالج اختلالات الأداء والإدارة. قانون يعزز مشاركة المواطن الفعلية في تحديد الاحتياجات التنموية للمحافظة، ويضمن دوره في صنع القرار المتعلق بالمشاريع التنموية والرأسمالية والخدمية، بما يرسخ مفهوم الشراكة بين المجتمع المحلي والإدارة التنفيذية.
ويبقى السؤال الأهم مطروحًا: كيف سيتعامل مجلس النواب المنتخب شعبيًا مع هذه التعديلات في ضوء ما تُظهره التسريبات؟ النقاش البرلماني القادم سيكون فرصة لموازنة الكفاءة الإدارية مع المشاركة الشعبية، والوصول إلى صيغة إصلاحية تحسن الأداء دون المساس بجوهر التمثيل الشعبي وتمكين المواطن.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً