د.حازم قشوع

أمريكا وحكم السلطة

نبض البلد -
د. حازم قشوع
 
اختطفت الإدارة الامريكية الرئيس الفنزويلي المنتخب مادورو من بيته الرئاسي وزوجته بطريقه دراميه، حيث استطاعت وكالة الاستخبارات المركزيه الأمريكيه من تنفيذ عملية الاختطاف خلال ساعتين وعلى يد وحدة التدخل السريع التى تعرف بـ الدلتا فورس، وذلك عبر عملية مركبة استخدمت فيها أجهزة قطع الاتصالات الموجية والموجات الاستكشافية الاوربتية اضافة لتأثيرات الموجات السيبرانية التي عملت على تحديد الأماكن بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس ترامب مع الرئيس مادورو قبل ثمان ساعات من ساعة الصفر، حيث قامت هذه القوه الخاصه التنفيذية من اختراق الأسوار الجدارية اضافة الى بيان عمليات التمويه التي أصبح فيها الجيش ووحدات الأمن والحماية بلا شبكه تواصل أو موجات اتصال، وهو ما جعلها محايدة على الرغم من إخفاق قوات الدلتا فورس من إغتيال وزير الدفاع الفنزويلي.
 
ولعل هذه المعطيات قد جعلت من مهمة الدلتا فورس الدخول والخروج وانجاز المهمة بسهولة لحد كبير للدرجة التي راحت فيها وكالة الاستخبارات الأمريكية تقدم هذه العملية وكأنها محتوى لبرنامج اخباري، وهو ما بين حجم الهوة العسكرية بين منزله أمريكيا والمكانة التي تقبع فيها بقية الدول الاخرى أمنيا وعسكريا، على الرغم من إمكانيات فنزويلا الأمنية والعسكرية التي يقدر تعداد جيشها بـ 130 ألف مقاتل إضافة لجيش شعبي يقدر تعداده بـ 200 ألف، وتجهيزات أمنية متقدمة نسبيا حيث تمتلك فيها فنزويلا اجهزة امنية عالية التدريب إضافة لأنظمة نوعية وتقنيات متقدمة نسبيا، لكنها فى المقياس العام جيدة فى مستويات الردع حسب التحليلات المثبتة بهذا الخصوص، إلا أن كل ذلك لم يثمر للتصدى لعملية الاختطاف التي تمت كما تم تخطيطها بدقة وتم تنفيذها كما تم تداولها بطريقة خاطفة.
 
أن نجاة لوبيز وزير الدفاع وبقاء المجسر خورخي رئيس البرلمان في المطبخ السياسي الفنزويلي بقيادة رودريجيز السيدة القوية في الرئاسة سيجعل من فنزويلا على مفترق طرق بثلاث شعب، فإما أن تعلن التزامها بالتوجيهات الصادرة عن البيت الأبيض وهذا على الأغلب ما ستقوم به كما هو متوقع مع الإبقاء على حصص روسيا والصين من البترول مقابل عدم معارضتهم لما يجري، وهذا ما سيسقط بظلالة بطريقة أخرى معكوسة تبادلية بالمشهد الأيراني والأوكراني، أو أن تقوم حكومة فنزويلا بالخيار الثاني بتسليم السلطة للرئيسة ماشادو زعيمة المعارضة وهذا أحتمال ضعيف، او ان فنزويلا ستكون عرضة لتدخل عسكرى أوسع من قبل أمريكا في المرة القادمة وهو احتمال بعيد، لكنها تبقى الخيارات التي أمام الحكومة الفنزويلية، لكن مجمل التطورات التي تؤكد أن نموذج مادارو بالإذعان هو النموذج الذي سيجعل من فنزويلا كما من دول أمريكا اللاتينية امام تحدى كبير ترفضه شعوبها لما يمثله من حالة عودة مجتمعاتها إلى حيث كانت عليه بنموذج "جمهوريات الموز" فى القرن الماضى.
 
لكنها ذات المحصلة التي جعلت من أمريكا اللاتينية بمجملها تعتبر حديقة خلفية لأمريكا لاحتوائها على مخزون من الموارد الطبيعية من بترول وغاز وموارد بشرية يمكن الاعتماد عليها في التصنيع التقليدي وإنتاج منتجات زراعية تدعم ناتج الولايات المتحدة الغذائي و الذي سيتم السيطرة عليه لاستخدامه بالسعر الذي تريده أمريكا، وإنتاجه وفقا للاحتياجات التي ترغب الولايات المتحدة بتوفيرها فى مخزونها الاستراتيجي، وهو ذات النموذج الذي سيتم إسقاطه على امريكا الوسطى حيث "المكسيك" بعدما تم فرضه في البداية على بنما حيث القناة، كما سيتم فرضه على كندا وجرينلاند بذات الكيفية التي سيتحكم فيها البيت الأبيض الأمريكي بشمالها وجنوبها ودوائرها المركزية في محيط جغرافيتها السياسية.
 
وبناءا على هذه المعطيات ستكون الولايات المتحدة قد سيطرت على أغلب حدائقها الخلفية، وهو ما سيعطي ذريعة لروسيا للإجهاز على أوكرانيا، كما قد يعطى الضوء الأخضر للصين لاحتواء تايبيه والسيطرة على منطقة مهد الأديان السماوية باقتسام منطقة الشرق الأوسط عن طريق إشعال حرب باردة في إيران والدول العربيه، او استخدام النموذج الفظ الخشن لإعادة التكوين وذلك تمهيدا لإدخال الجميع في المنهجية الإبراهيمية ذات الوعاء الحاضن، وهذا ما يعني انتهاء النموذج القيمي والاستعاضة عنه بنماذج المنفعة والنفعية في التعامل والتعاطي بين الأفراد والمجتمعات، الأمر الذي سيترتب عليه تفكيك المنظومة الوطنية لإعادة تشكيلها ضمن قوالب أخرى مناطقية.
 
وقد تبداء تركيا بهذه الأثناء بالاستحواذ فى آسيا الوسطى مع تقهقر نفوذ أوروبا وفضاءاتها السياسية المنغلقة، وكذلك تلاشى دور الناتو للدرجة التي أخرجت فيها أمريكا قوات الناتو من المعادلة الإجرائية من الشرق الأقصى أثر تعاطيها مع الصين، وقد تخرج أوروبا من أفريقيا ويتم ملء الفراغ عبر الصين وروسيا مع بقاء أوروبا تعيش أجواء متحفظة أو باردة فى التعاطي مع المشهد الجيواستراتيجي التاريخي المعاش، وهذا ما جعل من أمريكا تحكم العالم بتفوق قوة يد السلطة تشاركها الصين وروسيا بذلك، في بيان التعددية القطبية التي أخذت تشكل النموذج القادم للاحتكام بديلا عن الأمم المتحدة ونماذجها القانونية، وتسقط بظلالها أمريكا فى نموذج حكم السلطة.