"جدلية الهيمنة الرقمية حين يتقدّم العالم وتضيع الأخلاق"

نبض البلد -

د. عمّار محمد الرجوب

في السنوات الأخيرة، بدأ كثيرون من داخل عالم التكنولوجيا نفسه يرفعون صوتهم محذرين، لا لأنهم ضد التطور، بل لأنهم رأوا ما لا يراه المستخدم العادي. أحد روّاد هذا المجال لخّص الفكرة بوضوح: التكنولوجيا التي وُجدت لتسهيل حياة الإنسان، بدأت تتحول بهدوء إلى أداة تتحكم به دون أن يشعر.
الفكرة بسيطة لكنها خطيرة. حين تتحول المنصات الرقمية إلى جزء يومي من حياتنا، تصبح قادرة على توجيه ما نراه، وما نسمعه، وحتى ما نعتقد أنه رأينا الشخصي. نضغط، نشارك، نعلّق، بينما تُجمع عنا البيانات وتُستثمر قراراتنا لصالح شركات لا نعرف عنها شيئًا سوى ما تريد لنا أن نعرفه. ومع الوقت، يُقنعنا هذا النظام أن ما يحدث طبيعي، بل ومفيد، وأنه ثمن بسيط للراحة والسرعة.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب السؤال الأخلاقي. عندما تصبح الأرباح أهم من الإنسان، ويتحوّل المستخدم إلى رقم، تفقد القوة معناها الحقيقي. الأخطر أن هذا الشكل من السيطرة لا يأتي بالقوة أو القمع، بل بالاعتياد. نعتاد المراقبة، ونتعايش مع التوجيه، ونظن أننا أحرار لأننا نملك خيار الضغط أو الإعجاب.
وهنا تبرز المفارقة: كلما زادت قدرتنا على الاتصال بالعالم، ضعفت قدرتنا على فهم ما يُدار خلف الشاشات. فالعالم الذي يُدار بالخوارزميات لا يحتاج إلى صوت عالٍ، يكفيه صمتنا ورضانا.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن الإنسان بدأ يفقد علاقته بنفسه قبل أن يفقد خصوصيته. نقيس قيمتنا بعدد المتابعين، ونربط حضورنا بمدى التفاعل معنا، وكأن الوجود لم يعد حقيقيًا إلا إذا كان مرئيًا. بهذا الشكل، تتحول المشاعر إلى محتوى، والأفكار إلى منشورات، والإنسان إلى صورة قابلة للتقييم والتمرير.
وفي عمق هذا التحوّل، لا يعود الصراع بين الإنسان والتقنية صراع أدوات، بل صراع معنى. فالهيمنة الرقمية لا تسلبنا وقتنا فقط، بل تُربك إحساسنا بذواتنا، وتجعلنا نبحث عن قيمتنا خارجنا بدل أن ننصت إليها في الداخل. شيئًا فشيئًا، يتعوّد الإنسان أن يُعرّف نفسه كما تُعرّفه الشاشات، لا كما يشعر بها، فيفقد المسافة الضرورية بينه وبين العالم، تلك المسافة التي يولد فيها التفكير، وينمو فيها الوعي، ويُصاغ فيها القرار الحر.
ومع هذا التلاشي الهادئ للحدود بين الذات والعالم، يصبح الإنسان حاضرًا في كل مكان، وغائبًا عن نفسه؛ يرى كل شيء، لكنه نادرًا ما يتأمل، ويعرف كثيرًا، لكنه قلّما يفهم. هنا لا تكون الخسارة تقنية، بل وجودية، لأن أخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان هو قدرته على التوقّف، والسؤال، والاختيار بوعي.
كما أن هذا الواقع الجديد يخلق فجوة صامتة بين الإنسان ووعيه. فحين تُقدَّم له الإجابات قبل أن يطرح الأسئلة، ويُقترح عليه ما يشاهده قبل أن يقرر، يصبح التفكير فعلًا مؤجلًا، لا ضرورة يومية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في ما نراه، بل في ما لم نعد نفكر فيه.
وكما قلتُ في هذا السياق:
«أخطر أشكال السيطرة تلك التي تجعلك تشعر أنك تختار، بينما يُختار عنك كل شيء.»
التقدم لا يُقاس بسرعة الإنترنت ولا بعدد التطبيقات، بل بقدرتنا على حماية الإنسان داخل هذا التطور. وحين تغيب الأخلاق، مهما بدا العالم ذكيًا ومتقدمًا، فإنه يفقد روحه بهدوء.