القرار الامريكي بين التبعات والحلول

نبض البلد -
سيف نواف ابو رياش

اصدرت الادارة الامريكية بالامس مرسوما يتعين من خلاله فرض رسوم جمركية جديدة على العديد من دول العالم من باب المعاملة بالمثل، حسب تصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وتبعا للقرار فلقد تم فرض ضريبة جمركية تبلغ 20% على الواردات الاردنية الى السوق الامريكي.
عند النظر الى تاريح العلاقات التجارية بين البلدين، وانطلاقا من اتفاقية المدن الصناعية المؤهلة التي جاءت كثمرة اقتصادية جُنيت من توقيع اتفاقية وادي عربة في السابع عشر من اكتوبر للعام 1994، وهنا يجب التنويه انها لم تكن جزءا مباشرا من الاتفاقية، بل كانت نتيجة لها، والتي وفرت امتيازا مباشرا للسلع المنتجة داخل تلك المناطق المنتشرة في الاردن، واعفاءها اعفاءا تاما من الرسوم الجمركية بشرط ان تكون القيمة المضافة لاسرائيل 8% من هذه السلع، وكان هذا الشرط هو احد شروط ما يسمى بعنصر التأهيل حتى تستفيد تلك المنتجات من الاعفاء الجمركي، وبلغت صادرات تلك المدن ما يقارب 1.7 مليار دولار في عام 2024 وكانت الحصة الاكبر لقطاع النسيج والمحيكات، وشكلت تلك الصادرات ما نسبته 58% من اجمالي الصادرات الاردنية الى السوق الامريكي، حيث بلغ مجموع الصادرات في ذات العام ما يقارب 2.9 مليار دولار، اي لم تكن تلك الصادرات معفاة بالكامل من الرسوم الجمركية، وهنا يأتي الحديث عن الاتفاقية التجارية الاخرى بين البلدين، والتي دخلت حيز التنفيذ في السابع عشر من ديسمبر للعام 2000، وكانت اتفاقية التجارة الحرة بين الاردن وامريكا، والتي تم الاتفاق من خلالها على إزالة الرسوم الجمركية والضرائب ذات الأثر المماثل على السلع الصناعية والزراعية بين البلدين بشكل تدريجي، وصولًا إلى الإعفاء الكامل بعد فترة انتقالية مدتها 10 سنوات من تاريخ نفاذ الاتفاقية اي من العام 2011، بشرط أن تحتوي المنتجات على نسبة محتوى محلي لا تقل عن 35%، مع إمكانية احتساب ما يصل إلى 15% من القيمة المضافة من مكونات ذات منشأ أمريكي أو أردني. واتاحت الاتفاقية ايضا، بما في ذلك تلك السلع المنتجة خارج المناطق الصناعية المؤهلة، دخول السوق الأمريكية معفاة من الرسوم الجمركية شريطة استيفائها لشروط المحتوى المحلي وقواعد المنشأ المحددة.
على صعيد اخر فان الجانب الاردني يفرض حاليا رسوما جمركية على الواردات الامريكية تبلغ 40%، على تلك السلع غير المستوفاة شروط الاتفاقية بسبب عدم انطباق شروط المنشأ، أو لوجود استثناءات فنية أو تنظيمية داخل الاتفاقية. حيث بلغت الواردت الامريكية الى الاردن 1.33 مليار دولار خلال العام 2024، مما يشير الى واردات ضريبة قد تصل تقريبا الى 500 مليون دينار سنويا او اقل.
ومن جانب اخر، فان القرار الامريكي قد يعتبر نقضا لشروط اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين وقد يُعتبر متنافيًا جزئيًا أو كليًا مع تلك الاتفاقية، لكن التقييم الدقيق يعتمد على التفاصيل الدقيقة للقرار الأمريكي ونطاق تطبيقه، وقد لا يعتبر كذلك اذا برّرت واشنطن القرار بأنه إجراء مؤقت لحماية صناعتها المحلية، واستندت إلى بند "الإجراءات الوقائية" المنصوص عليها في المادة 10 من الاتفاقية.
عند الانتقال الى التبعات نجد ان القرار يشكل تهديدا واضحا للصادرات الاردنية الى السوق الامريكي حيث بلغت تلك الصادرات 2.9 مليار دولار كما تم ذكره سابقا، وسيؤدي القرار الى انخفاض الصادرات وبالتالي زيادة العجز التجاري، خاصة مع اعتماد الأردن الكبير على السوق الأمريكية.​ اما على الاقتصاد المحلي فمن الممكن ان تتأثر فرص العمل في القطاعات المعتمدة على التصدير إلى الولايات المتحدة اذا توجهت للرحيل الى دول اخرى يتم فيها اعفاءهم من تلك الرسوم، وخصوصا اذا انخفضت القدرة التنافسية للصادرات الاردنية.
عند التفكير في حلول لمواجهة تلك التبعات فان لدى الاردن العديد من السياسات والاجراءات والتي قد يتجه الاردن لاحداها في الامد القريب، ومنها ان يتوجه الاردن الى الموافقة على مبدأ المعاملة بالمثل وهو المبرر الاساسي للقرار الامريكي، مما يعني ان يخسر الاردن كافة عوائده الضريبية من الرسوم المفروضة على الوردات الامريكية ما يشكل ضغطا اضافيا على الموازنة وخصوصا بعد القرار السابق بوقف المساعدات، وان لهذا التوجه تبعات عكسية على الاقتصاد الاردني منها وما نخشاه ان نتعرض للاغراق التجاري وان نفقد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لانها لن تكون قادرة على منافسة البضائع الامريكية التي ستغزو الاسواق في هذه الحالة، وسنعاني من فقدان كبير للصناعات المحلية الامر الذي سيعمل على رفع معدلات البطالة فورا. ونقل الاعتماد على الواردات ما سيأثر سلبا على الامن التجاري والصناعي في الامد البعيد.
اضافة الى ذلك يمكن للاردن الذهاب الى طلب المشاورات الدولية واللجوء الى اليات فض النزاع المنصوص عليها في الاتفاقية، ثم التحرك الدبلوماسي من السفارة الاردنية في واشنطن، واخرها التصعيد الى منظمة التجارة العالمية (WTO) والتي ارى ان نتاجها ذو امد بعيد لكنه قد يكون اقل ضررا من التوجه الاول.
التوجه الاخير من وجهة نظري الشخصية هو التوازن في اتخاذ القرار وذلك من خلال التحرك الدبلوماسي السريع والارتكاز على العلاقة التاريخية بين الاردن وواشنطن، وفي ذات الوقت التحرك الجاد لدعم الصناعة المحلية وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الاردنية، والبحث السريع عن شركاء تجاريين وفتح اسواق تصديرية جديدة واكساب الاردن ميز تنافسية اكبر.
اما من يدعي ان الحل هو قيام الاردن بزيادة الرسوم الجمركية كرد على القرار الامريكي، فان ذلك سيعمل على الدخول بنزاع تجاري مع واشنطن، مما سيفقد الاردن احد اهم ركائزه في جذب الاستثمار الاجنبي المباشر، ويفقد الاردن استقراره التجاري ناهيك عن الدخول في دوامة الخلافات التجارية بين البلدين، وفقدان المستهلك للمنتجات الامريكية في الاسواق في ظل عدم توفر بدائل لها.
وعلى الهامش ارى بأن واشنطن تضغط على العالم مرتكزة على حجم وارداتها الذي يشكل 13% من اجمالي واردات العالم، و8.5% من اجمالي صادرات العالم البالغة 3.07 تريلون دولار بعد الصين، مما يشير ان السوق الامريكي من اكبر الاسواق الاستهلاكية في العالم وهو يشكل مبتغا مباشرا لكافة دول العالم.علما بان القرار الامريكي الاخير ان واجه صدا عالميا واستطاعت القوى الاقتصادية الوقوف في وجه ذلك القرار من خلال البحث عن اسواق تصديرية جديدة او اي اجراءات اخرى ، فان السوق الامريكي سيواجه ازمة كبيرة تتثمل في ارتفاع معدلات التضخم الامريكي الناتجة عن الانخفاض الكبير في العرض في ظل ازدياد الطلب.