حاتم النعيمات
تعرّض الأردن خلال العدوان على غزة إلى هجمة إعلامية شرسة من النوع الذي لا تستطيع أجهزة أي دولة في العالم التعامل معه، ورغم أن الرواية الرسمية الأردنية كانت وما زالت متماسكة وقوية، إلا أن هذا النوع من الهجمات لا يمكن صده بهذه البساطة؛ لأنها تكون عادةً متتابعة وكثيفة وتأتي من اتجاهات متعددة، بما فيها الداخل.
هذه الهجمات لا يكفي معها نفي أو توضيح رسمي أبدًا (رغم أهمية ذلك)، لأنها ببساطة خاطفة ومستحدثة وتخاطب الجزء الغاضب من المزاج الشعبي ولا تخاطب الجزء العقلاني البارد منه، لذلك، فإن هناك قصورًا مستمرًا وواضحًا لدى الحكومات والأجهزة الرسمية في كل العالم (وليس الأردن وحده) في خلق رسالة إعلامية قادرة على المواجهة، فالأجهزة الرسمية ما زالت تنسج خطابها على أساس نوعي عقلاني، في المقابل فإن ما يفرضه واقع الفضاء الإلكتروني اليوم يميل إلى أن يكون عدديًا لا يعنيه مضمون الرسالة بقدر كثافة تداولها وسهولة هضمها من قبل المتلقي، خصوصًا ذلك المتلقي الذي تنازل عن وظائف مهمة للعقل البشري لصالح الأجهزة الذكية.
مؤخرًا في الأردن، رأينا استجابة مضادة وقوية للهجمات والحملات من قبل الكثير من الوطنيين الأردنيين الذين يطلقون على أنفسهم مسمى التيار الوطني الأردني (وطني تعني ببساطة أنك لا تتماهى مع مشاريع عابرة للحدود وتؤمن بالهوية الوطنية الأردنية بأبعادها التاريخية والاجتماعية على أقل تقدير)، هذه الاستجابة كانت رشيقة وسريعة، وفهمت بسرعة كيفية مواجهة الحملات الإلكترونية، لذلك نجحت في صد الكثير من الهجمات، أهمها تلك التي تبعت زيارة جلالة الملك إلى واشنطن. وقبل ذلك كله، فنّدت هذه الاستجابة رواية الجسر البري وفضحت زورها، وردّت البهتان عن الإنزالات الجوية الإنسانية التي نفذها الأردن لدعم صمود الأشقاء في غزة، ونجحت في محاصرة شعارات تمس السيادة، فكان شعار "كل الأردن هاشمية” بدلًا من شعار "كل الأردن حمساوية”، وكانت رواية الحق المتعلقة باتفاقية وادي عربة التي وُقّعت بعد حروب وتضحيات وطعنات تعرّض لها الأردن، بديلًا عن رواية عن رواية الباطل والتخوين التي تصف الاتفاقية بأنها ترف سياسي ومجاملة.
شكّل هذا التيار الوطني رواية الموقف الأردني الرسمي في الفضاء الإلكتروني (ميدان المعركة الحقيقي)، فحمى بكفاءة عالية جزءًا مهمًا من الرأي العام من الخروج عن سياق مصالح الدولة الأردنية، بل وأزاح هذا التيار عن كاهل البعض ممن تم تسمينهم إعلاميًا عبء الواجب الذي تقاعسوا عن أدائه اتجاه بلدهم.
المشكلة أن هناك رسميين أردنيين لا يدركون هذه المعادلة للأسف!! ويتعاملون مع المشهد بتجرّد تكنوقراطي غريب. فلا يُعقل أن يتم تصوير هذا التيار الوطني بأنه عنصر تأزيم وفتنة بعد كل ما قدّمه، وفي المقابل يُغضّ الطرف عمّن اتَّهم العشائر زورًا بأنها عامل فوضى، ويُسمح في ذات الوقت لمن طالب يومًا بضم الضفة الغربية بأن يعبّر عن سعادته بتصريحات تتجنّى على هذا التيار الوطني. بصراحة، فمستوى التكنوقراطية عند بعض الرسميين مرتفع لدرجة أنهم لا يدركون لغاية اليوم عناصر ودوافع هذه الهجمات على الأردن. يحتاج بعض الرسميين أن ينظروا للمشهد من ناحية سياسية أيضًا وألا يكتفوا بالتكنوقراطية الفنية فقط.
على الجانب الآخر، فمن الطبيعي أن يرتكب بعض الناشطين الوطنيين أخطاءً وزلّات هنا وهناك، فهم يخوضون معركة شرسة مع حملات معادية لا تهدأ، وهم غير مختصين عمليًا وفي نفس الوقت يقومون بواجب غيرهم المختص المتراخي في كثير من الأحيان، والمعارك بطبيعتها تحتمل الأخطاء، لذلك فعملية تقييمهم لا يجب أن تتم خارج سياق دوافعهم الحميدة بالدفاع عن الأردن، أو في سياق دعم المشككين بالرواية الرسمية الأردنية.
فهم الخارطة السياسية في الأردن أصبح مطلوبًا من جميع الفاعلين في العمل العام وليس الرسميين وحدهم، لأن القادم في المنطقة والعالم يحتاج - بتصوّري - إلى إدراك أعمق لدوافع وارتباطات كل عنصر من عناصر هذه الخارطة لتكون الأمور واضحة خلال أي مواجهة مع تقلبات المنطقة والعالم.
التكنوقراطية مهمة بلا شك، لكن القادم يحتاج أيضًا لسياسيين على قدر عالٍ من الخبرة، فربما لن يكون هناك متّسع من الوقت لشرح الأدوار وتظهير الأطراف وخباياها خلال أي أزمة قد نواجهها، وربما لا نجد حينها من يدافع عن الأردن إذا تراكم الخذلان في دواخل الوطنيين الأردنيين إذا استمر البعض بخذلانهم.