في مئوية تأسيس الدولة الاردنية: الثقافة مرتكز أساسي للتأسيس والنهضة

نبض البلد -فكرة بداية مأسسة الحالة الثقافية والابداعية في الدولة الاردنية الحديثة؛ المملكة الاردنية الهاشمية، بدأت بواكيرها عشية تأسيس الدولة التي تشهد احتفالات مئويتها الاولى في عامنا هذا 2021.
وتمثلت المأسسة بنهج لرعاية الثقافة تبنته قيادتها الهاشمية، منذ بواكير تأسيس الدولة، على يد الملك المؤسس المغفور له بإذن الله عبدالله بن الحسين، بإطلاق أولى أنوية لبنات المشروع الثقافي متمثلا بجريدة الحق يعلو حينما وصل لمدينة معان عام 1920 والتي كانت تحمل الخطاب الثقافي والسياسي لمشروع الدولة الحديث.
وتتلو "الحق يعلو" بالصدور، بعد إعلان تأسيس الدولة الاردنية 1921، جريدة الشرق العربي التي حملت ذات الخطاب عام 1923، في وقت لم يكن يصدر في منطقة الاردن أي صحيفة تشكل حاملا وناشرا ثقافيا ومعرفيا تعمل على تكريسهما كنقطة إنطلاق لآفاق العلم والثقافة الرحبة. ورسخ المغفور له الملك المؤسس وهو الاديب والشاعر، هذا النهج بما شهدته حركة الشعر في الاردن من صعود وتنام بحيث انه قاد حركة أدبية تمخض عنها قيام نشاط أدبي وثقافي في شرقي الأردن كان مجلسه الادبي موئلا له، بوصفه صالونا ثقافيا وملتقىً للادباء والمثقفين، احتضن عمالقة الأدب والثقافة والشعر في الأردن والوطن العربي، علاوة على المساجلات الشعرية بينه وبين عدد منهم؛ محمد علي الحوماني ونديم الملاح وفؤاد الخطيب وسعيد البحرة وتيسير ظبيان وعرار (مصطفى وهبي التل) وحسني زيد الكيلاني وغيرهم الكثير.
وإلى جانب نشاطه السياسي الذي استحوذ على معظم وقته، لم يُغفل الملك المؤسس الجانب الثقافي، فاهتم بجميع القطاعات الثقافية وتابع ودعم العديد من المشروعات الإبداعية، وأصبح شرق الأردن محط أنظار المثقفين العرب، وبدأت عجلة الحركة الثقافية تدور، حيث تأسس أول مجمع علمي في البلاد في تموز 1923 برئاسة الشيخ سعيد الكرمي بهدف إحياء الآثار القومية ورفع منارة المعارف العربية، والذي عقد أولى جلساته في شهر أيلول من العام نفسه وحدد أهدافا مهمة كان منها: إلقاء المحاضرات العامة في ندوة المجمع، إنشاء مكتبة عامة، وإصدار مجلة شهرية تُنشر فيها أفكار أعضاء المجمع، ولتكون حلقة وصل بينه وبين دور الكتب والمجامع العلمية وأمهات المجلات.
وفي سنوات لاحقة صدر قانون مجمع اللغة العربية الأردني في عهد المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال عام 1976، وبدأ المجمع نشاطاً كبيراً في خدمة اللغة العربية.
وكانت حركة الفن التشكيلي بدأت في عهد الامارة مع قدوم الفنان اللبناني عمر الأنسي عام 1922، وبعده التركي ضياء الدين سليمان الذي أقام أول معرض فني له في فندق فيلادلفيا في عمان، وحظي التشكيليون برعاية خاصة من الملك المؤسس الذي اقتنى مجموعة من أعمالهم في قصره، وهي رعاية نادرة في وقتها.
وانتشرت دور السينما في عمان منذ نهاية العشرينيات من القرن الماضي، اي مع بدايات الدولة الاردنية، ومخاض تشكيل مجتمع مدني ومشهد إجتماعي ثقافي جديد، وتشير عدد من المصادر إلى ان أول دار للسينما في عمان كانت دار سينما النصر وتم افتتاحها في نهاية العشرينيات وصاحبها هو أبو صياح القباني.
وفي مدينة إربد في منتصف العشرينيات كانت ما أطلق عليها صالة البترا واحتوت على ماكينة عرض تعمل على البطاريّة، حيث يدخل المشاهدون ويجلسون على الأرض، وثم تم بناء سينما الزهراء في أواخر العشرينيات وافتتاحها بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، فيما اكتشف حديثا بجهود بحثية اردنية دار سينما بمنطقة الصفاوي بالمفرق تعود للفترة ما بين 1933-1934 وبنيت بأياد أردنية وبتصميم إنجليزي.
واهتم الملك المؤسس بالسينما، ومع ظهور السينما الناطقة في اوائل الثلاثينيات، تابع إنشاء دار للسينما (سينما البتراء) بحسب مواصفات دور السينما مكتملة شروط العرض عام 1935، وتعد اول سينما بحسب تلك المواصفات، وكانت تعرض فيها كذلك المسرحيات والوصلات الموسيقية والغنائية لفرق عربية، والتي شهدت عام 1943 حضور الموسيقار فريد الأطرش وشقيقته أسمهان لافتتاح العرض الأول من فيلمهما "انتصار الشباب"، كما عرضت فيها مسرحية كرسي الاعتراف ليوسف وهبي وقدمتها فرقة المحمصاني اللبنانية في نهاية الاربعينيات من القرن الماضي، ثم سينما (الإمارة) التي أنشئت بعدها في مطلع الأربعينيات.
وعلى صعيد النشر وبعد وصول الملك المؤسس إلى عمان، دَعم تأسيس الصحف والنشر من خلال جلب أول مطبعة في عهد الإمارة إلى عمَّان عام 1922، ثم ظهرت مطبعة الحكومة عام 1925، وتبع ذلك ظهور مطابع أخرى مهمة منها مطبعة الاستقلال العربي عام 1932؛ وأسهمت بنشر ثقافة الطباعة التجارية.
وفي تلك الحقبة الزمنية كان المسرح يسير بخطى ثابتة وواثقة، إذ كان هناك كُتاب كَتبوا للمسرح، ثم بدأت حركة المسرح كفعل من خلال المدارس والكنائس، فكانت الإشارات الأولى لعمل تمثيلي مدون عام 1918، وقبلها أنشئت أول جمعية في الأردن تُعنى بالمسرح وشؤونه عام 1914 وسميت "جمعية الناشئة الكاثوليكية العربية" وازدهرت الأعمال المسرحية على يد روكس بن زائد العزيزي ومحمد المحيسن وغيرهم، فقدم العزيزي الكثير من الأعمال المسرحية منها "السموأل" عام 1923، و"الرشيد والبرامكة" و"صلاح الدين الأيوبي"؛ عام 1924، وقدمت عروض مسرحية في عمان والسلط وعجلون منذ عام 1927 .
وبالتزامن مع تأسيس الدولة تشكلت موسيقات القوات المسلحة الأردنية عام 1921 مع بدايات ابتناء القوات المسلحة الاردنية- الجيش العربي، ما يؤكد اهتمام الملك المؤسس بالموسيقا، ليتم بعدها تكوين فرقة دار الإذاعة برام الله وفرقتين من موسيقا الجيش، فكانت هذه بمثابة بذور النهضة الموسيقية المقبلة وأسسها.
والاردن الذي يستند على تاريخ للوجود الانساني يتجاوز 8 آلاف عام ويحتوي ارثاً ثقافياً يشهد على اسهاماته الكبيرة في حقب تاريخية قديمة ومهمة، كما مهد لنشوء الكتابة والحرف العربي عندما قدم الانباط الحرف والانتقال به من الارامية الى العربية، قادر على ان يسهم في السياق الحضاري العالمي.