النخلة في مواجهة تغير المناخ

نبض البلد -

بقلم المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي

ارتبطت النخلة بالإنسان العربي منذ آلاف السنين، فكانت غذاءً وظلاً ومصدراً للرزق، وحضرت في الذاكرة، والثقافة، والواحات، والمدن. لكن في عصر تغير المناخ، لم يعد كافياً أن ننظر إليها بوصفها رمزاً للتراث؛ فالنخلة يمكن أن تكون مورداً استراتيجياً في معادلة الأمن الغذائي والتكيف المناخي والتنمية المحلية.

وتكمن أهميتها في قدرتها على الإنتاج في البيئات الجافة والحارة التي يصعب فيها على كثير من المحاصيل الاستمرار. لكن هذه القدرة لا تعني أنها بمنأى عن تغير المناخ؛ فارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط الأمطار، وملوحة المياه والتربة، والآفات الزراعية، والظواهر المناخية المتطرفة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في إنتاجيتها وجودة ثمارها.

ومن هنا تتغير المعادلة: بدلاً من الاكتفاء بحماية النخلة من المناخ، علينا التفكير في كيف نجعل قطاع النخيل نفسه جزءاً من بناء المرونة المناخية؟

يبدأ ذلك بحماية التنوع الوراثي للأصناف المحلية، واختيار الأصناف الأكثر تحملاً للحرارة والملوحة والجفاف، وتحسين كفاءة الري، والاستفادة من التقنيات الحديثة في مراقبة رطوبة التربة وصحة الأشجار والتنبؤ بالآفات. كما تستطيع الزراعة النسيجية والبحث العلمي والبيانات والذكاء الاصطناعي أن تدعم إنتاج فسائل سليمة وتحسن إدارة المزارع في بيئات تزداد صعوبة.

لكن القيمة الاستراتيجية للنخلة لا تتوقف عند الثمرة. فمخلفاتها يمكن تحويلها إلى أعلاف وأسمدة ومواد ومنتجات ذات قيمة اقتصادية، بما يفتح المجال أمام تطبيق الاقتصاد الدائري وتقليل الهدر وخلق فرص جديدة للمشروعات الصغيرة والمجتمعات الريفية.

وفي المنطقة العربية، التي تواجه تحديات متزايدة في المياه والغذاء والتصحر، يصبح تطوير سلسلة قيمة متكاملة للتمور قضية تتجاوز الزراعة إلى الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي والابتكار والتصدير والتكيف مع المناخ.
لهذا نحتاج إلى الانتقال من إدارة النخلة كشجرة منفردة إلى إدارة قطاع استراتيجي متكامل؛ يبدأ بالمختبر والمزرعة، ويمتد إلى التصنيع، والتسويق، والبحث، والابتكار.

فالحفاظ على النخلة العربية لا يعني حماية الماضي فقط، بل الاستثمار في المستقبل؛ فالشجرة التي ساعدت أجدادنا على التكيف مع الصحراء قد تكون إحدى الأدوات التي تساعد أجيالنا القادمة على التكيف مع مناخ أكثر قسوة.