شركة الفوسفات الأردنية تحول رؤية التحديث الاقتصادي إلى واقع

نبض البلد -
التوسع في الصناعات التحويلية بدلا من تصدير الخام

عمر الخطيب
لم تعد رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن مشروعاً مؤجلا إلى المستقبل، ولا عنوانا نظريا يُستدل عليه بالخطط والوثائق وإنما أصبحت معيارا يُقاس بما يتحول على أرض الواقع إلى إنتاج واستثمار وصناعة وقيمة مضافة وفرص عمل وأسواق جديدة.
وبينما لا تزال قطاعات وشركات تبحث عن موطئ قدم في هذا المسار تبرز شركة مناجم الفوسفات الأردنية بوصفها نموذجا عمليا لشركة اختارت أن تجعل من التحديث الاقتصادي نهجا في العمل.
وفي هذا السياق، تعيد الفوسفات صياغة دورها من شركة تستخرج ثروة وطنية إلى منظومة صناعية تتوسع في التصنيع وتبني الشراكات وتفتح الأسواق وتعظم القيمة المتحققة من موارد المملكة.
وتكشف مسيرة الشركة عن تحول يتجاوز نمو الإنتاج والمبيعات إلى إعادة بناء القيمة الاقتصادية للفوسفات نفسه من خفض كلف التشغيل ورفع الكفاءة إلى التوسع في الصناعات التحويلية وتنويع الأسواق واستقطاب الاستثمارات، وصولا إلى زيادة حصة الفوسفات الموجهة للصناعة المحلية، وفي قلب هذا التحول تأتي الشراكة الاستراتيجية مع شركة البوتاس العربية باعتبارها نموذجا للتكامل بين ثروتين وطنيتين وتحويلهما إلى قاعدة صناعية مشتركة بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي القائم على تعظيم القيمة المضافة محليا لا الاكتفاء بتصدير الموارد في صورتها الأولية.
ولا يتوقف أثر هذا المسار عند حدود الشركة وإنما يمتد إلى الاقتصاد الوطني عبر الصادرات والعملات الأجنبية ودعم الخزينة وتوفير فرص العمل، فقد بلغت مبيعات الشركة نحو 1.448 مليار دينار خلال عام 2025، قبل أن تتجاوز 717 مليون دينار في النصف الأول من 2026 وحده.
وبلغت مساهمة الشركة المباشرة وغير المباشرة في دعم إيرادات الدولة بنحو 478 مليون دينار خلال 2025، وخلف هذه النتائج إدارة عملت على قيادة التوسع في الإنتاج وجذب الاستثمار وبناء الشراكات وفي مقدمة ذلك يأتي الدور البارز الذي عمل عليه رئيس مجلس الإدارة د.محمد الذنيبات ودور الإدارة التنفيذية برئاسة الرئيس عبدالوهاب الرواد وكافة العاملين بالشركة على مختلف مواقع عملهم .
ارتفاع سقف القيمة والثروة تتحول إلى صناعة
ومن هذه القاعدة تتقدم شركة الفوسفات من تصدير الخام إلى صناعة أكثر عمقا وقيمة إذ أصبح التوسع في الصناعات التحويلية وإنتاج حامض الفوسفوريك محورا رئيسيا للنمو، ما يعزز موقع المملكة في سلسلة القيمة العالمية ويمنح منتجاتها وزنا أكبر في الأسواق الدولية.
ومع اتساع الطاقة الإنتاجية وتعاظم القدرة على تلبية احتياجات كبار المستهلكين تعزز الحضور التنافسي للشركة عالميا بينما ارتفعت مبيعات النصف الأول من 2026 إلى أكثر من 717 مليون دينار مقارنة بنحو 602 مليون دينار للفترة نفسها من العام السابق في انعكاس مباشر لتوسع النشاط الإنتاجي والتصديري.
شراكة تفتح أبواب الصناعة
أما الشراكة مع البوتاس العربية فتأخذ هذا التحول إلى مستوى أكثر استراتيجية إذ يؤسس المجمع الصناعي المشترك لإنتاج حامض الكبريتيك وحامض الفوسفوريك النقي والأسمدة المتخصصة مستثمرا تكامل الثروتين في بناء صناعة وطنية ذات قيمة مضافة، ولا تقف آثار المشروع عند حدود الإنتاج بل تمتد إلى المقاولين والعمالة والقطاعات المساندة مع توقع توفير 700 إلى 1000 فرصة عمل مباشرة وأكثر من 5000 فرصة غير مباشرة بما يجعل الاستثمار في الموارد الوطنية محركا لنشاط اقتصادي أوسع.
وتتجه المرحلة المقبلة إلى تعميق هذا المسار عبر مصنع جديد لحامض الفوسفوريك في الشيدية بشراكة تركية واستثمار يتجاوز 500 مليون دولار إلى جانب مشروع مرتقب مع بترول عُمان لإنتاج حامض الفوسفوريك في المملكة وإنشاء مصنع للأسمدة المتخصصة في صلالة.
المستقبل ...
المحصلة يتجه نموذج الفوسفات خلال السنوات الخمس المقبلة إلى توجيه نحو 70% من الإنتاج للاستخدام المحلي في الصناعات والمشروعات التحويلية، مقابل خفض حصة الفوسفات المصدر خاماً إلى نحو 25–30%، وهي خلاصة تختصر جوهر التجربة تحويل الثروة من مادة تُستخرج وتُصدر إلى صناعة يتم استثمارها وتصنيعها بقيمة أعلى، وهو بالضبط المسار الذي تستهدفه رؤية التحديث الاقتصادي.

وتكشف تجربة الفوسفات أن رؤية التحديث الاقتصادي تكتسب قيمتها حين تتحول إلى إنتاج واستثمار وشراكات وقيمة مضافة، لا حين تبقى في إطار الخطط والتطلعات، فالمضي من استخراج الثروة إلى تصنيعها وتعظيم أثرها محليا ودوليا يقدم نموذجا عمليا لكيف يمكن للصناعة الوطنية أن تكون محركا حقيقياً لمسار التحديث الاقتصادي.