المفتاح

نبض البلد -
سعيد الصالحي

أضعت منذ مدة مفتاحي الذي كان قادرًا على فتح كل الأقفال والأبواب الموصدة، ومنذ تلك اللحظة بدأت أشعر بأن الطرق أمست أضيق، وكل المسالك وعرة وشديدة الخطورة.

لم أترك مكانًا إلا وبحثت فيه، ولم أدخر وسيلة في السؤال عنه، حتى إنني استعنت بقصاصي الأثر وقارئي أوراق التاروت، لكنني لم أجد له أثرًا، وكأنه لم يوجد يومًا، على الرغم من شهادة كل الأقفال التي كان يداعبها أو يشاكسها بأنه كان موجودًا ذات يوم في حمالة المفاتيح التي لم تتسع إلا له، ولم تُصنع إلا لخدمته.

ضاع المفتاح، وأخذ معه بعض عاداتي وبعض الأماكن التي كنت أزورها برفقته، والأغرب أنه أضاع معه جزءًا من ذاكرتي. فبتُّ أمرّ على بعض الأقفال، فلا ألقي عليها السلام، وأشيح بناظري عنها. لقد تغيرت كثيرًا عندما أضعت المفتاح، وكأنه كان يخبئ بين انحناءته بعضًا من ذاتي الملتوية.

وبعد عدة أشهر، بينما كنت أقلب في حقيبة السيارة عن رخصتي لأقدمها مع ابتسامة لشرطي المرور، وجدت المفتاح ممددًا بين الأوراق، صامتًا دون حراك، متشبثًا بطوق نجاة حمالة المفاتيح.

مددت يدي لأنقذه، وأمسكت به برفق، وشعرت بأن حرارته مرتفعة، وتكاد الحمى أن تفتك به. أخرجته بلطف، ووضعته على المقعد المجاور لي لينعم ببعض النسائم المنعشة.

وعندما وصلت إلى وجهتي، قبضت عليه بكل محبة، وألقيت به في سلة المهملات.

فالمفتاح الذي كان يفتح كل شيء أصبح حملًا زائدًا في تلك اللحظة التي تغيرت فيها الأقفال، ولم يجد سبيلًا ليفتح أي قفل من أقفال قلبي وذاكرتي، التي كان الوحيد الذي يعرف بأي وجه تفتح وتغلق.

ألقيت به دون كلمة وداع، ولم أفكر حتى في الاحتفاظ به كذكرى أو مفتاح أثري. فأنا أعشق الآثار عندما تهبني حياة أو روحًا من الماضي، وأمقتها عندما تكون مجرد أطلال وأعمدة مبعثرة.