نبض البلد - بين الحاجة المؤلمة والمشهد المؤذي
الانباط -خاص
مع حلول الظلام في شوارع العاصمة والمدن الأردنية، يبدأ مشهد يومي آخر بالتكرار.. رجل أو امرأة، وأحياناً أطفال، ينكبون على حاويات النفايات.. يبحثون بصمت ويقلبون الأكياس بأيديهم العارية بحثاً عن علب فارغة، أسلاك ألمنيوم، نحاس، ملابس بالية، أو مادة يمكن بيعها أو حتى خبز منتهي الصلاحية.
إنهم "نابشو النفايات".. الظاهرة التي لم تعد طارئة بل انها ازدادت بشكل لافت في الأردن خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة لتتحول إلى واقع مرير يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمملكة.
وجوه في الظلام تبحث عن لقمة العيش
في حوالي الساعة ال12 ليلاً، وفي احد شوارع عمان يقف "أبو احمد" 52 عاماً، عامل مياومة سابق، يفرغ كيساً تلو الآخر. . "الوضع صعب. ما في شغل. هاي العلب الفاضية ببيعها للسكراب بـ 15 قرش الكيلو... الألمنيوم والنحاس بجيبو أكثر... مرات بلاقي خبز نظيف، بوديه للغنم".
"أبو حسن" (52 عاماً)، أب لخمسة أطفال، فقد وظيفته منذ عامين. يقول: "لا أجد ما أطعم به أطفالي، فالنفايات أصبحت مصدر رزقي.. أبحث عن علب بلاستيكية وورق ومعدن لأبيعها بالتجزئة".
أما "أم صافي" (45 عاماً)، فأرملة تعول ثلاثة أبناء، فتضيف:"لا أحد يراني في الليل، لكنني مضطرة.. أبحث عن ملابس قديمة أو خبز جاف لا زال صالحاً للأكل".
المشهد نفسه يتكرر في كل حي. نساء يجمعن الملابس لغسلها وإعادة بيعها، شباب يبحثون عن قطع إلكترونية تالفة لاستخراج المعادن... الحاجة قاسية، لكنها دفعت الآلاف للبحث في القمامة.
الأرقام تتحدث.. معدل البطالة ونسبة الفقر
بحسب تقارير غير رسمية، يقدر عدد العاملين في "نبش النفايات" بالآلاف في الأردن، معظمهم من العمالة المتسربة واللاجئين والأردنيين الذين فقدوا وظائفهم بعد "كورونا".
وبحسب دائرة الإحصاءات العامة، تجاوز معدل البطالة في الأردن 22% خلال الربع الأول من العام الحالي، في حين يشير تقرير البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر تجاوزت 24%، مع توقعات بارتفاعها في ظل استمرار التحديات الاقتصادية.
وبحسب دراسة لمؤسسة إنقاذ الطفل، فإن متوسط دخل الأسر التي يعمل أطفالها في نبش النفايات لا يتجاوز 150 ديناراً شهرياً، وتعتمد 37% منها على ما يجنيه الطفل من الحاويات لتأمين الطعام، كما أن 60% من هؤلاء الأطفال تعرضوا لإصابات جسدية خلال عملهم.
وفي المقابل، ينتج الأردن 10 آلاف طن نفايات يومياً، ولا يتم إعادة تدوير سوى 10% منها، ما يترك مساحة كبيرة لاقتصاد غير رسمي يقوم على "النبش" .
الجانب الآخر من المشهد
الحاجة مفهومة.. لكن المشكلة لا تقف عند الحاجة الإنسانية حيث أن كثيرين يتركون ما نبشوه مبعثراً حول الحاوية، أكياس ممزقة، بقايا طعام، روائح. لا تقف عند الحاجة الإنسانية، فالكثير من النابشين يتركون ما ينبشونه متناثراً حول الحاويات، مما يشوه المظهر العام ويشكل خطراً صحياً وبيئياً.
تقول أم صفاء من سكان جبل الحسين: "بنفهم ظروفهم والله.. بس ليش يتركوا الزبالة عالأرض؟.. الحاوية صارت مقلب وبتلم حشرات وفيران.. بنخاف على ولادنا".
هنا يبرز التناقض: حق الإنسان في البحث عن رزقه، مقابل حق السكان في نظافة وبيئة صحية.
ويقول مصدر في أمانة عمان الكبرى: "نتلقى شكاوى يومية من المواطنين حول انتشار النفايات خارج الحاويات، ونقوم بحملات نظافة مستمرة، لكن الظاهرة تتكرر".
بين الحاجة والمسؤولية
البطالة وصلت لأرقام قياسية، والفقر توسع ليشمل طبقات كانت مستورة.. مع غلاء الأسعار، أصبحت "مهنة النبش" مصدر دخل بديل لكثيرين، رغم قسوتها ومخاطرها الصحية.
د. حسين خزاعي خبير اجتماعي يقول: "النبش ليس خياراً، هو اضطرار.. لكن غياب أي تنظيم لهذا القطاع حوله من نشاط هامشي إلى ظاهرة عشوائية تضر بالجميع".
في حين يرى د. خالد العبادي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، أن "الظاهرة هي انعكاس لتفاقم الأوضاع المعيشية، لكنها في الوقت نفسه تعكس غياب الوعي البيئي.. مؤكدا في تصريح: ان الحل يجب أن يكون مزدوجاً: معالجة الفقر وتوفير فرص عمل، مع حملات توعوية للنابشين وأسرهم حول أهمية الحفاظ على المظهر الحضاري".
في المقابل، تبرز بعض المبادرات المجتمعية التي تحاول تنظيم هذه العملية.. مؤسسة "بيئتنا" الخيرية أطلقت مبادرة لتوفير أكياس مخصصة للنابشين لجمع النفايات القابلة للتدوير بشكل منظم، مقابل بيعها بأسعار أفضل، لكن المبادرة لا تزال محدودة التأثير.
حلول ممكنة: تنظيم لا تجريم
ويرى خبراء ان معالجة هذه الظاهرة لا تكون بمنع الناس من النبش، لأن البديل هو الجوع.. وان الحل يكمن في "التنظيم والدمج"، مقترحين تخصيص أوقات وأماكن محددة لفرز النفايات بدل نبشها في الشارع، مشيرين الى ان بعض البلديات بدأت بتجربة "حاويات ذكية" بفتحات منفصلة للبلاستيك والورق. بالضافة الى التعاقد مع شركات إعادة تدوير نظامية تشغل النابشين بأجر ثابت وتأمين صحي، كما يحدث في دول كثيرة، ما يحولهم من "مهمشين" إلى "عمال تدوير".
وطالبوا بالقيام بحملات توعية مجتمعية للنابشين أنفسهم بأهمية إغلاق الأكياس بعد الفرز وعدم ترك الفوضى، وللسكان بفهم دوافع الظاهرة، فضلا عن التوسع في شبكات الأمان الاجتماعي للعائلات التي وصلت لمرحلة النبش.
ماذا بعد.. كرامة الإنسان أولاً
يبقى القول ان "نابش النفايات" ليس المشكلة.. فهو عرض لمرض أكبر اسمه الفقر.والبطالة وان تجاهل الظاهرة سيزيدها فوضى ومرضاً.. في حين ان معالجتها تبدأ من الاعتراف بها، ثم تنظيمها بما يحفظ كرامة الإنسان ونظافة المدينة معاً.
وكما يقول احد النابشين وهو يغلق كيسه: "إحنا مش حرامية., بندور على رزقنا.. بس ساعدونا نلاقيه بطريقة أنظف".
بيد ان ظاهرة نبش النفايات تبقى جرحاً مفتوحاً في جسد المجتمع الأردني، بين من يراها ممارسة غير حضارية، ومن يراها انعكاساً لحاجة إنسانية لا مفر منها... المطلوب اليوم، وفق مراقبين، هو مقاربة شاملة تجمع بين الدعم الاجتماعي والوعي البيئي، لضمان كرامة الإنسان ونظافة المكان معاً.