التوجيهي بنظام السنتين… هل آن الأوان لإعادة التقييم؟

نبض البلد -
نور الكوري

لا يختلف اثنان على أهمية تطوير العملية التعليمية ومواكبة التغيرات لكن أي نظام تعليمي جديد يجب أن يخضع للتقييم المستمر وأن يُقاس أثره الحقي على الطلبة وأسرهم لا أن يكتفى بالأهداف النظرية التي وُضع من أجلها.
واليوم ومع اقتراب امتحانات الثانوية العامة لطلبة جيل 2008 تتصاعد التساؤلات حول نظام التوجيهي الجديد القائم على عامين دراسيين والذي كان من المفترض أن يخفف الضغط عن الطلبة إلا أن كثيراً من الأسر والطلبة يرون أن الضغوط لم تنخفض بل امتدت لفترة أطول وأصبحت أكثر استنزافاً نفسياً ومادياً.
فالطالب لم يعد يعيش عاماً واحداً من القلق والترقب بل عامين متتاليين من الامتحانات والحسابات المتعلقة بالمعدل والقبول الجامعي. أما الأسرة فأصبحت شريكاً يومياً في هذا الضغط تراقب وتتابع وتخشى على مستقبل أبنائها وسط حالة من عدم اليقين حول النتائج والفرص المتاحة. وتزداد الأعباء على الأسر التي لديها أكثر من ابن يفصل بين كل منهم نحو سنتين إذ تمتد سنوات التوجيهي عملياً لأكثر من أربعة أعوام متواصلة داخل المنزل ما يعني استمرار حالة التوتر والمتابعة والالتزامات المالية لفترة طويلة دون انقطاع.
المشكلة لا تتوقف عند حجم المواد الدراسية أو كثافة المعلومات فقط بل تمتد إلى قضية أكثر حساسية تتعلق بمستقبل الطلبة الأكاديمي. فعدد كبير من الطلبة وأولياء الأمور يشعرون بأن خيارات القبول الجامعي أصبحت أكثر محدودية مقارنة بالسنوات السابقة خصوصاً لطلبة الفرع الهندسي والفرع الصحي.
في النظام السابق كان الطالب يمتلك مساحة أوسع للمنافسة على التخصصات الجامعية المختلفة أما اليوم فإن انخفاض المعدل بنسبة بسيطة قد يؤدي إلى تضييق كبير في الخيارات المتاحة أمامه ما يجعل الضغط النفسي مضاعفاً. فالطالب لا يخشى الامتحان فقط بل يخشى أن يفقد فرصة دراسة التخصص الذي يحلم به بسبب جزء من العلامة أو نتيجة مادة واحدة.
وإذا أضفنا إلى ذلك وجود آلاف الطلبة الذين يعيشون التجربة ذاتها فإننا أمام حالة تستحق الدراسة والتقييم العلمي الحقي بعيداً عن الانطباعات الشخصية أو التبريرات العامة. فالتعليم ليس مجالاً للتجربة المفتوحة بل قضية تمس مستقبل أجيال كاملة.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إجراء دراسة وطنية شاملة تشارك فيها وزارة التربية والتعليم والجامعات والخبراء التربويون يتم من خلالها قياس الأثر النفسي والتعليمي والجامعي لنظام التوجيهي الجديد والاستماع بشكل مباشر إلى الطلبة وأولياء الأمور باعتبارهم الطرف الأكثر تأثراً بهذه التغييرات.
فنجاح أي نظام تعليمي لا يقاس بعدد المواد أو شكل الامتحان فقط وإنما بقدرته على تحقيق العدالة التعليمية وتوفير فرص متكافئة للطلبة وتخفيف الضغوط النفسية عنهم وفتح أبواب المستقبل أمامهم لا تضييقها.
إن أصوات الطلبة والأهالي اليوم لا تطالب بإلغاء التطوير أو العودة إلى الوراء بل تطالب بمراجعة موضوعية وشجاعة للتجربة لأن مستقبل أبنائنا يستحق أن يكون محل تقييم مستمر وأن تكون مصلحة الطالب هي المعيار الأول والأخير في أي قرار أو تعديل. فالتطوير الحقي لا يعني التمسك بالتجربة مهما كانت نتائجها بل القدرة على مراجعتها وتصويبها عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
وفي النهاية يبقى الهدف الأسمى لأي نظام تعليمي هو بناء جيل قادر على التعلم والإبداع والمنافسة ضمن بيئة تعليمية عادلة ومستقرة تراعي احتياجات الطلبة النفسية والأكاديمية وتمنحهم الفرصة لتحقيق طموحاتهم دون أعباء إضافية قد تؤثر في مستقبلهم.